فصل: ومن باب منع الماء:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم السنن



.ومن باب منع الماء:

قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حَدَّثنا جرير عن الأعمش عن أبني صالح، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ».
قال الشيخ هذا في الرجل يحفر البئر في الأرض الموات فيملكها بالإحياء وحول البئر أو بقربها موات فيه كلأ ولا يمكن الناس أن يرعوه إلاّ بأن يبذل لهم ماءه ولا يمنعهم أن يسقوا ماشيتهم منه فأمره صلى الله عليه وسلم أن لا يمنع فضل مائه إياهم لأنه إذا فعل ذلك وحال بينه وبينهم فقد منعهم الكلأ لأنه لا يمكن رعيه والمقام فيه مع منعه الماء، وإلى هذا ذهب في معنى الحديث مالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعد وهو معنى قول الشافعي والنهي في هذا عندهم على التحريم.
وقال غيرهم ليس النهي فيه على التحريم لكنه من باب المعروف فإن شح رجل على مائه لم ينتزع من يده والماء في هذا كغيره من صنوف الأموال لا يحل إلاّ بطيبة نفسه.
وذهب قوم إلي أنه لا يجوز له منع الماء ولكن يجب له القيمة على أصحاب المواشي وشبهوه بمن يضطر إلى طعام رجل فإن له أكله وعليه أداء قيمته. ولو لزمه بذل الماء بلا قيمة للزمه بذل الكلأ إذا كان في أرضه بلا قيمة وللزمه كذلك أن لا يمنع الماء زرع غيره إذا كان بقربه زرع لرجل لا يحيى إلاّ به.
قال الشيخ أما من تأول الحديث على معنى الاستحباب دون الإيجاب فإنه يحتاج إلى دليل يجوز معه ترك الظاهر، وأصل النهي على التحريم فمنع فضل الماء محظور على ما ورد به الظاهر، وأما من أوجب فيه القيمة فقد صار إلى المنع أيضًا وهو خلاف الخبر وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فضل الماء.
وقد ذكره أبو داود العطار عن عمرو بن دينار، عَن أبي المنهال عن إياس بن عبد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع فضل الماء».
وأما تشبيهه ذلك بالطعام فإنهما لا يشابهان لأن أصل الماء الإباحة وهو مستخلف ما دام في منعه والطعام متقوم منقطع المادة غير مستخلف، وقد جرت العادة بتمول الطعام سلمًا كما يتمول سائر أنواع المال. والماء لا يتمول في غالب العرف وأما الزرع فليس له حرمة وللحيوان حرمة، والحديث إنما جاء في منع الماء الذي يمنع به الكلأ والزرع بمعزل عن ذلك.
قال الشيخ رحمه الله وأما الماء إذا جمعه صاحبه في صهريج أو بركة أوخزنه في جب أو قراه في حوض ونحوه فإن له أن يمنعه وهو شيء قد حازه على سبيل الاختصاص لا يشركه فيه غيره، وهو مخالف لماء البئر لأنه لا يستخلف استخلاف ماء الآبار ولا يكون له فضل في الغالب كفضل مياه الآبار، والحديث إنما جاء في منع الفضل دون الأصل ومعناه ما فضل عن حاجته وعن حاجة عياله وماشيته وزرعه والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ قال: حدثني أبي، قال: حَدَّثنا كهمس عن سيار بن منظور رجل من بني فزارة عن أبيه عن امرأة يقال لها بهيسة عن أبيها قالت: «استأذن أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال الماء، قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال الملح».
قال الشيخ معناه الملح إذا كان في معدنه في أرض أو جبل غير مملوك فإن أحدًا لا يمنع من أخذه، فأما إذا صار في حيز مالكه فهو أولى به وله منعه وبيعه والتصرف فيه كسائر أملاكه.
قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا عيسى بن يونس، قال: حَدَّثنا حريز بن عثمان قال:، قال: حَدَّثنا أبو خداش أنه سمع رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلأ والنار».
قال الشيخ هذا معناه الكلأ ينبت في موات الأرض يرعاه الناس ليس لأحد أن يختص به دون أحد ويحجزه عن غيره، وكان أهل الجاهلية إذا غزا الرجل منهم حمى بقعة من الأرض لماشيته ترعاها يذود الناس عنها فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وجعل الناس فيها شِرعًا يتعاورونه بينهم.
فأما الكلأ إذا نبت في أرض مملوكة لمالك بعينه فهو مال له ليس لأحد أن يشركه فيه إلاّ بإذنه.
وأما قوله: «والنار» فقد فسره بعض العلماء وذهب إلى أنه أراد به الحجارة التي توري النار يقول لا يمنع أحد أن يأخذ منها حجرًا يقتدح به النار، فأما التي يوقدها الإنسان فله أن يمنع غيره من أخذها. وقال بعضهم ليس له أن يمنع من يريد يأخذ منها جذوة من الحطب التي قد احترق فصار جمرًا وليس له أن يمنع من أراد أن يستصبح منها مصباحًا أو أدنى منها ضغثًا يشتعل بها لأن ذلك لا ينقص من عينها شيئًا والله أعلم.

.ومن باب بيع السنور:

قال أبو داود: حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة وعلي بن بحر، قال: حَدَّثنا عيسى عن الأعمش، عَن أبي سفيان عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن السنور».
قال الشيخ النهي عن بيع السنور متأول على أنه إنما كره من أجل أحد معنيين إما لأنه كالوحشي الذي لا يملك قياده ولا يصح التسليم فيه، وذلك لأنه ينتاب الناس في دورهم ويطوف عليهم فيها ثم يكاد ينقطع عنهم، وليس كالدواب التي تربط على الأوادي ولا كالطير الذي يحبس في الأقفاص، وقد يتوحش بعد الأنوسة ويتأبد حتى لا يقرب ولا يقدر عليه. فإن صار المشتري له إلى أن يحبسه في بيته أو يشده في خيط أو سلسلة لم ينتفع به.
والمعنى الآخر أن يكون إنما نهى عن بيعه لئلا يتمانع الناس فيه وليتعاوروا ما يكون منه في دورهم فيرتفقوا به ما أقام عندهم ولا يتنازعوه إذا انتقل عنهم إلى غيرهم تنازع الملاك في النفيس من الأعلاق، وقيل إنما نهى عن بيع الوحشي منه دون الإنسي، وقد تكلم بعض العلماء في إسناد هذا الحديث وزعم أنه غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وممن أجاز بيع السنور ابن عباس وإليه ذهب الحسن البصري وابن سيرين والحكم وحماد، وبه قال مالك بن أنس وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وكره بيعه أبو هريرة وجابر وطاوس ومجاهد.

.ومن باب ثمن الكلب:

قال أبو داود: جدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حَدَّثنا سفيان عن الزهري، عَن أبي بكر بن عبد الرحمن، عَن أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي وحلوان الكاهن».
قال الشيخ نهيه عن ثمن الكلب يدل على فساد بيعه لأن العقد إذا صح كان دفع الثمن واجبًا مأمورًا به لا منهيًا عنه فدل نهيه عنه على سقوط وجوبه وإذا بطل الثمن بطل البيع لأن البيع إنما هو عقد على شيء بثمن معلوم، وإذا بطل الثمن بطل المثمن، وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فحملوها وباعوها وأكلوا أثمانها» فجعل حكم الثمن والمثمن في التحريم سواء.
قال أبو داود: حدثنا أبو توبة، قال: حَدَّثنا أبو عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن قيس بن حبتر عن عبد الله بن عباس قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب فإن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابًا».
قال الشيخ وهذا يؤكد معنى ما قلناه في الحديث الأول، ومعنى التراب هاهنا الحرمان والخيبة كما يقال ليس في كفه إلاّ التراب، وكقوله صلى الله عليه وسلم: «وللعاهر الحجر» يريد الخيبة إذ لاحظ له في الولد، وكان بعض السلف يذهب إلى استعمال الحديث على ظاهره ويرى أن يوضع التراب في كفه، وروي أن المقداد رأى رجلا يمدح رجلا فقام يحشي التراب بكفه في وجهه، وقال بهذا أمرنا، يَعني قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب».
وفي قوله: «إذا جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابًا» دليل على أن لا قيمة للكب إذا تلف ولا يجب فيه عوض، وقال مالك بن أنس فيه القيمة ولا ثمن له.
قال الشيخ الثمن ثمنان ثمن التراضي عن البيوع وثمن التعديل عند الإتلاف وقد أسقطهما النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «فاملأ كفه ترابًا» فثبت أن لا عوض له بوجه من الوجوه.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حَدَّثنا ابن وهب قال: حدثني معروف بن سويد الجُذامي عن علي بن رباح اللخمي حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل ثمن الكلب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي».
قال الشيخ إذا لم يحل ثمن الكلب لم يحل بيعه لأن البيع إنما هو على ثمن ومثمن فإذا فسد أحد الشقين فسد الشق الآخر وفي ذلك تحريم العقد من أصله.
وقد اختلف الناس في جواز بيع الكلب فروي، عَن أبي هريرة أنه قال هو من السحت وروي عن الحسن والحكم وحماد، وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل، وقال أصحاب الرأي جائز بيع الكلب، وقال قوم ما أبيح اقتناؤه من الكلاب فبيعه جائز وما حرم اقتناؤه منها فبيعه محرم يحكى ذلك عن عطاء والنخعي، وقد حكينا عن مالك أنه كان يحرم ثمن الكلب ويوجب فيه القيمة لصاحبه على من أتلفه قالوا وذلك لأنه أبطل عليه منفعته وشبهوه بأم الولد لا يحل ثمنها وفيها القيمة على من أتلفها.
قال الشيخ جواز الانتفاع بالشيء إذا كان لأجل الضرورة لم يكن دالًا على جواز بيعه كالميتة يجوز الانتفاع للمضطر ولا يجوز بيعها.

.ومن باب ثمن الميتة والخمر والخنزير:

قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حَدَّثنا عبد الله بن وهب، قال: حَدَّثنا معاوية بن صالح عن عبد الوهاب بن بخت، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى حرم الخمر وثمنها وحرم الميتة وثمنها وحرم الخنزير وثمنه».
قال الشيخ فيه دليل على أن من أراق خمر النصراني أو قتل خنزيرًا له فإنه لا غرامة عليه لأنه لا ثمن لها في حكم الدين.
وفيه دليل على فساد بيع السرقين وبيع كل شيء نجس العين، وفيه دليل على أن بيع شعر الخنزير لا يجوز.
واختلفوا في جواز الانتفاع به فكرهت طائفة ذلك وممن منع منه ابن سيرين والحكم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق وقال أحمد وإسحاق الليف أحب إلينا وقد رخص فيه الحسن والأوزاعي ومالك وأصحاب الرأي.
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حَدَّثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال هو حرام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك لعن الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوها ثم باعوها فأكلوا أثمانها».
قال الشيخ قوله: «جملوها» معناها أذابوها حتى تصير ودكًا فيزول عنها اسم الشحم يقال جملت الشحم واجتملته إذا أذبته قال لبيد:
فاشتوى ليلة ريح واجتمل

وفي هذا بيان بطلان كل حيلة يحتال بها توصل إلى محرم وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه.
وفيه دليل على جواز الاستصباح بالزيت النجس فإن بيعه لا يجوز، وفي تحريمه ثمن الأصنام دليل على تحريم بيع جميع الصور المتخذة من الطين والخشب والحديد والذهب والفضة وما أشبه ذلك من اللعب ونحوها.
وفي الحديث دليل على وجوب العبرة واستعمال القياس وتعدية معنى الاسم إلى المثل أو النظير خلاف قول من ذهب من أهل الظاهر إلى إبطالها، ألا تراه كيف ذم من عدل عن هذه الطريقة حتى لعن من كان عدوله عنها تذرعًا إلى الوصول به إلى محظور.
قال أبو داود: حدثنا مسدد أن بشر بن المفضل وخالد بن عبد الله حدثاهم المعنى عن خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله اليهود ثلاثًا إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وأن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه».
قال الشيخ هذا يؤكد ما مضى من القول على معنى الأحاديث المتقدمة وفيه دليل على فساد بيع الزيت الذي قد أصابته نجاسة.
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حَدَّثنا ابن إدريس ووكيع عن طعمة بن عمرو الجعفري عن عمرو بن بيان التغلبي عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من باع الخمر فليشقص الخنازير».
قال الشيخ قوله: «فليشقص» معناه فليستحل أكلها، والتشقيص يكون من وجهين أحدهما أن يذبحها بالمشقص وهو نصل عريض.
والوجه الآخر أن يجعلها أشقاصا وأعضاء بعد ذبحها كما تُعضى أجزاء الشاة إذا أرادوا إصلاحها للأكل، ومعنى الكلام إنما هو توكيد التحريم والتغليظ فيه يقول من استحل بيع الخمر فليستحل أكل الخنزير فإنهما في الحرمة والإثم سواء أي إذا كنت لا تستحل أكل لحم الخنزير فلا تستحل ثمن الخمر.